ابن عربي

27

الفتوحات المكية ( ط . ج )

الفلسفية والسيكولوجية والبيولوجية ، إنما كان يقصد من وراء ذلك غرضاً واحداً مجدداً ، وهو عجز العقل عن معرفة الله ، كما هو في ذاته وكما هو في إطلاقه الأبدي . بيد أن هذا اللون السلبي في المعرفة عند الشيخ ، الذي يغلب عليه طابع التشاؤم ، ليس سلبياً بالمعنى السوفسطائي ، بل بالمعنى الصوفي : إن الله لا يدرك من حيث ذاته ، وما هو في ذاته ، بل من حيث وجوده وكما هو في وجوده . وبتعبير أوضح : إن الله لا ينكشف أمام الفكر الإنساني إلا في مظهر خارجي - أجنبي عن ذاته - يدل هذا « المظهر » عليه : لأن الله يتجلى فيه ، من غير تقييد ، ولا تحديد ولا عينية . وأعظم « مظهر خارجي » للتجلي الإلهي في السماء : « العقلي الكلى » ، وفي الأرض : « الإنسان الكامل » أي النبي والولي . ويستحيل على الفكر البشرى معرفة الله حقاً ، وبالتالي عيادته ومحبته ، بدون هذين المظهرين التامين ، وبعبارة أكثر دقة : بدون ذلك « المظهر الواحد » الذي هو عقل كلى في السماء ، وإنسان كامل على الأرض . ولكن ، كما يجب علينا - نحن ، معشر البشر - أن نتخذ « المظهر الإلهي الأكمل » وسيلتنا إلى الحق ، في العبادة والمعرفة والمحبة ، يجب علينا في الوقت نفسه أن نعترف بعبودية هذا « المظهر الأكمل » ، إن في صورته السماوية أو في صورته الأرضية ، بالقياس إلى « مُظهره » - جل وتعالى ! - وأن نقر بمخلوقيته بالنسبة إلى مبدعة - تعالى عما يصفه الواصفون ! وهنا يتميز التوحيد الحق من الشرك - الجلي والخفي - ؛ والتجريد المطلق من التعطيل أو التجسيم . إبتداءاً من الفقرة رقم 101 حتى آخر الباب الثالث ، شرح الشيخ ، على نحو تطبيقي وموضوعي ، نظريته الخاصة بالتشبيه والتجسيم . فاستعرض قدراً كبيراً من ألفاظ الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن ، مبيناً معانيها المختلفة من الناحية اللغوية والتاريخية والفنية . وهذا الموضوع كان الشيخ نفسه قد عرض له في الجزء الثامن . وهو من أجمل فصول « الفتوحات المكية » ومن أروع ما خطته يراع الشيخ الأكبر ، لأنه جمع بين دقة التحليل اللغوي والتاريخي ، ومهارة الاستنباط العقلي والروحي . والرمزية - وهو فارسها في الفكر الإسلامي ( 1 ) - كانت مطيته المفضلة عندما

--> ( 1 ) - من الدراسات القيمة التي عالجها « الكتاب التذكاري : محى الدين بن عربي » ، والتي هي على صلة مباشرة بفكرة الرمزية عند الشيخ الأكبر : « كنوز في رموز » للأستاذ الدكتور ، المأسوف عليه ، محمد حلمي مصطفى ( ص ص 37 - 66 ) ، « طريقة الرمز عند ابن عربي في ديوانه » للدكتور الأستاذ زكى محمود نجيب ( ص ص 69 - 104 ) ، المؤسسة المصرية 1029 .